الجمعة، 13 سبتمبر 2013

كلام يُكْتَب بماء الذھب

١
كلام يُكْتَب بماء الذھب
مقالة رائعة نُشِرتْ في سنة ١٩٥٦ في مجلة الإذاعة تقول: كتب الشیخ علي الطنطاوي
رحمھ الله
الحمدللهحِنَّا في نعمة
نظرْتُ البارحة فإذا الغرفة دافئة والنار موقدة، وأنا على أريكة مريحة، أفَكّر في موضوع
أكتب فیه، والمصباح إلى جانبي، والھاتف قريب مني، والأولاد يكتبون، وأمھم تعالج
صوفا تُحِیكُه، وقد أكلنا وشربنا، والراديو يھمس بصوت خافت، وكل شيء ھادئ، ولیس
ھناك ما أشكو منه أو أطلب زيادة علیه، فقلت "الحمد لله". أخرجْتُھا مِنْ قرارة قلبي، ثم
فكّرْتُ فرأيت أن" الحمد" لیسكلمة تقال باللسان ولو ردّدَھا اللسان ألف مرة، ولكن
الحمد على النعم أن تفیض منھا على المحتاج إلیھا: حَمْدُ الغني أن يعطي الفقراء،
وحَمْدُ القوي أن يساعد الضعفاء، وحَمْدُ الصحیح أن يعاون المرضى، وحَمْدُ الحاكم أن
يَعْدِل في المحكومین، فھل أكون حامدا لله على ھذه النعم إذا كنتُ أنا وأولادي في
شبع ودفء وجاري وأولاده في الجوع والبرد؟ وإذا كان جاري لَمْ يسألني أفلا يَجِبُ عَلَيَّ
أنْ أسأل عنه؟
سألتني زوجتي: فیمَ تفكر؟ فقلت لھا … قالت: صحیح، ولكن لا يكفي العباد إلا مَنْ
خلقھم، ولو أرَدْتَ أن تكفي جیرانك من الفقراء لأفقرت نفسك قبل أن تغنیھم. قلت: لو
كنت غنیا لما استطعت أن أغنیھم، فكیف وأنا رجل مستور، يرزقني الله رِِزْقَ الطیر، تغدو
خماصًا وتروح بطاناً؟ لا.. لا أريد أن اُغْنِيَ الفقراء، بل أريد أن أقول إن المسائل نسبیة،
فأنا بالنسبة إلى أرباب الآلاف المؤلفة فقیر، ولكني بالنسبة إلى العامل الذي يُعِیل
عشرة , وما له إلا أُجْرَتُه غَنيٌ من الأغنیاء، وھذا العامل غني بالنسبة إلى الأرملة
المفردة التي لا مَوْرِد لھا ولا مال في يدھا، ورَبُّ الآلاف فقیر بالنسبة لصاحب الملايین ؛
٢
فلیسفي الدنیا فقیر ولا غَنِيٌ فقرًا مطلقا ولا غِنَىً مطلقا، ولیسفیھا صغیر ولا كبیر،
ومَنْ شَكّ في ذلك فإني أسأله أصعب سؤال يمكن أن يُوَجَّه إلى إنسان. أسأله عن
العصفور: ھل ھو صغیر أم كبیر؟، فإن قال صغیر، قلت: أقصِدُ نِسْبَتهُ إلى الفیل، وإن قال
كبیر، قلت: أقصد نسبته إلى النملة . فالعصفور كبیر جدا مع النملة، وصغیر جدا مع
الفیل، وأنا غني جدا مع الأرملة المفردة الفقیرة التي فَقَدَتْ المال والعائل، وإنْ كنتُ
فقیرا جدا مع فلانٍ وفلان مِنْ ملوك المال............................................................ .
تقولون: إن الطنطاوي يتفلسف.. لا ؛ ما أتفلسف، ولكن أحب أن أقول لكم إن كل
واحد منكم وواحدة يستطیع أن يجد مَنْ ھو أفقر منه فیعطیه، إذا لم يكن عندَكِ– يا
سیدتي – إلا خمسة أرغفة وصحن "مجدّرة" (وھو طعام من البرغل أي القمح
المجروش مع العدس)، تستطیعین أن تعطي رغیفا لمن لیس له شيء، والذي بقي
عنده بعد عشائه ثلاثة صحون من الفاصولیا والرز وشيء من الفاكھة والحلو يستطیع أن
يعطي منھا قلیلا لصاحبة الأرغفة والمجدّرة. والذي لیسعنده إلا أربعة ثیاب مرقعة
يعطي ثوبًا لِمَن لیسعنده شيء، والذي عنده بدلة لم تُخْرق ولم تُرَقّع ولكنه مَلَّ منھا،
وعنده ثلاثٌ جُدُدْ مِنْ دونھا، يستطیع أن يعطیھا لصاحب الثیاب المرقعة، ورُبََّ ثوب ھو
في نظرك عتیق وقديم بالٍ، لو أعطیته لغیرك لرآه ثوب العید ولاتّخَذَهُ لباس الزينة، وھو
يفرح به مثل فرحك أنت لو أن صاحب الملايین مَلََّ سیارته الشفرولیه طراز سنة ١٩٥٣
–بعدما اشترى كاديلاك طراز ١٩٥٦ – فأعطاك تلك السیارة..………………………… .
ومھما كان المرء فقیرا فإنه يستطیع أن يعطي شیئا لِمَنْ ھو أفقر منه، إنّ أصغر
موظف لا يتجاوز راتبه مئة وخمسین قرشا، لا يشعر بالحاجة ولا يمسه الفقر إذا تصدق
بقرش واحد على مَنْ لیس له شيء. وصاحب الراتب الذي يصل إلى أربعة جنیھات لا
يضره أن يدفع منھا خمسقروش ويقول "ھذه لله"، والذي يربح عشرة آلاف مِنَ التجار
٣
في الشھر يستطیع أن يتصدق بمئتین منھا في كل شھر...………………………………
ولا تظنوا أن ما تعطونه يذھب بالمجان، لا والله، إنكم تقبضون الثمن أضعافا ؛
تقبضونه في الدنیا قبل الآخرة، ولقد جَرّبتُ ذلك بنفسي، أنا أعمل وأكسب وأنفق على
أھلي منذ أكثر من ثلاثین سنة، ولیس لي مِنْ أبواب الخیر والعبادة إلا أني أبذل في
سبیل الله إنْ كان في يدي مال، ولم أدخر في عمري شیئا، وكانت زوجتي تقول لي
دائما:" يا رجل، وَفرْ واتخِذ لبناتك دارا على الأقل"، فأقول: خلیھا على الله، أتدرون ماذا
كان؟!...………………………………………………………<...........................................!
لقد حسب الله لي ما أنفقته في سبیله وادخره لي في بنك الحسنات الذي يعطي
أرباحا سنوية قدرھا سبعون ألفا في المئة، نعم: { كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي
كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِّائَةُ حَبَّةٍ }، وھناك زيادات تبلغ ضعف الربح!! { وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ }،
فأرسل الله لي صديقا سیدًا كريمًا مِنْ أعیان دمشق فأقرضني ثمن الدار، وأرسل
أصدقاء آخرين مِنَ المتفضلین فبنوا الدار حتى كملت وأنا – والله – لا أعرف مِنْ أمرھا إلا
ما يعرفه المارة علیھا من الطريق، ثم أعان الله برزق حلال لم أكن محتسبا له. فوَفّیْتُ
ديونھا جمیعا. ومَنْ شاء ذكَرْتُ له التفاصیل وسمیت له الأسماء. وما وقعْتُ والله في
ضیق قط إلا فرجه الله عني، ولا احْتجْتُ لشيء إلا جاءني، وكلما زاد عندي شيء
وأحْبَبْتُ أن أحفظه وضعْتُهُ في ھذا البنك....………………
فھل في الدنیا عاقل يُعامل بنك المخلوق الذي يعطي ٥%ربحًا حرامًا وربما أفلسأو
احترق، ويترك بنك الخالق الذي يعطي في كل مئة ربحا قدره سبعون ألفا؟ وھو مُؤَمنٌ
علیه عند رب العالمین فلا يفلس ولا يحترق ولا يأكل أموال الناس. فلا تحسبوا أن الذي
تعطونه يذھب ھدرًا، إن الله يخلفه في الدنیا قبل الآخرة، وأنا لا أحب أن أسوق لكم
٤
الأمثلة فإن كل واحد منكم يحفظ مما رأى أو سمع كثیرا منھا، إنما أسوق لكم مثلا
واحدا: قصة الشیخ سلیم المسوتي رحمه الله، وقد كان شیخ أبي، وكان – على فقره
– لا يرد سائلا قط، ولطالما لبس الجبة أو" الفروة" فلَقِيَ برداناً يرتجف فنزعھا فدفعھا
إلیه وعاد إلى البیت بالإزار، وطالما أخذ السُفْرة مِنْ أمام عیاله فأعطاھا للسائل، وكان
يومًا في رمضان وقد وُضِعتْ المائدة انتظارا للمدفع، فجاء سائل يُقسِم أنه وعیاله بلا
طعام، فابتغى الشیخ غفلة مِن امرأته وفتح له وأعطاه الطعام كله!، فلما رأت امرأته
ذلك وَلْوَلَتْ علیه وصاحت وأقسمت أنھا لا تقعد عنده، وھو ساكت.. فلم تَمُر نصف
ساعة حتى قرع الباب وجاء مَنْ يحمل أطباقا فیھا ألوان الطعام والحلوى والفاكھة،
فسألوا: ما الخبر؟ وإذا الخبر أن سعید باشا شموين كان قد دعا بعض الكبار فاعتذروا،
فغضب وحلف ألا يأكل أحدٌ مِنَ الطعام وأمَرَ بحَمْلِهِ كله إلى دار الشیخ سلیم المسوتي،
قال الشیخ: أرأيت يا امرأة؟!!
وقصة المرأة التي كان ولدھا مسافرا، وكانت قد قعدت يوما تأكل ولیسأمامھا إلا
لقمة إدام وقطعة خبز، فجاء سائل فأعطته اللقمة وباتت جائعة. فلما جاء الولد مِن
سَفرِهِ جعل يحدثھا بما رأى، قال: ومِنْ أعجب ما مر بي أنه لحقني أسد في الطريق،
وكنت وحدي فھربت منه، فوثب عليّ وما شعرْتُ إلا وقد صِرْتُ في فمه، وإذا برَجُلٍ علیه
ثیاب بیض يظھر أمامي فیخلصني منه ويقول" لقمة بلقمة"، ولم أفھم مُرَاده .فسَأَلَتْهُ
أمه عن وقت ھذا الحادث وإذا ھو في الیوم الذي تصدقَتْ فیه على الفقیر، نزَعَتْ
اللقمة مِنْ فمھا لتتصدق بھا فنزع الله ولدھا مِنْ فم الأسد.
والصدقة تدفع البلاء ويَشفِي الله بھا المريض، ويمنع الله بھا الأذى وھذه أشیاء
مُجَرّبَة، وقد وردت فیھا الآثار، والذي يؤمِنُ بأن لھذا الكون إلھا ھو يتصرف فیه وبیده
العطاء والمنع، وھو الذي يشفي، يعلم أن ھذا صحیح. والملحد ما لنا معه كلام..
٥
…………
والنساء أقرب إلى الإيمان وإلى العطف، وإنْ كانت المرأة – بطبعھا - أشد بخلا
بالمال مِن الرجل، وأنا أخاطب السیدات وأرجو ألا يذھب ھذا الكلام صرخة في وادٍ
مقفر، وأن يكون له أثره، وأن تنظر كل واحدة مِن السامعات الفاضلات ما الذي تستطیع
أن تستغني عنه مِن ثیابھا القديمة أو ثیاب أولادھا، ومما ترمیه ولا تحتاج إلیه مِن فرش
بیتھا، ومما يَفیض عنھا من الطعام والشراب، فتفتشعن أسرة فقیرة يكون ھذا لھا
فرحة الشھر..... .............
ولا تعطي عطاء الكِبْر والترفع، فإن الابتسامة في وجه الفقیر ( مع القرشتعطیه له)
خیر من جنیه تدفعه له وأنت شامخ الأنف متكبر مترفع، ولقد رأيت بنتي الصغیرة بنان –
مِنْ سنین – تحمل صحنین لتعطیھما الحارس في رمضان قلت: تعالي يا بنت، ھاتي
صینیة وملعقة وشوكة وكأس ماء نظیف وقدمیھا إلیه ھكذا ! إنك لم تخسري شیئا،
الطعام ھو الطعام، ولكن إذا قدَّمْتِ له الصحن والرغیف كَسَرْتِ نفسه وأشعَرْتِهِ أنه
كالسائل الشحاذ، أما إذا قدَّمْتِهِ في الصینیة مع الكأس والملعقة والشوكة والمملحة
ينجبر خاطره ويحِسّكأنه ضیف عزيز.
ومن أبواب الصدقة ما لا ينتبه له أكثر الناس مع أنه ھین، مِنْ ذلك التساھل مع
البیاع الذي يدور على الأبواب يبیع الخضر أو الفاكھة أو البصل، فتأتي المرأة تناقشه
وتساومه على القرش وتظھر" شطارتھا" كلھا، مع أنھا قد تكون من عائلة تملك مئة
ألف وھذا المسكین لا تساوي بضاعته التي يدور النھار لیبیعھا، لا تساوي كلھا عشرة
قروش ولا يربح منھا إلا قرشین! فیا أيتھا النساء أسألكن بالله، تساھلْنَ مع ھؤلاء
البیاعین وأعطوھم ما يطلبون وإذا خسرت الواحدة منكن لیرة فلتحتسبھا صدقة ؛ إنھا
أفضل من الصدقة التي تُعْطَى للشحاذ.
٦
ومن أبواب الصدقة أنْ تفكر معلمة المدرسة حینما تكلف البنات شراء ملابس
الرياضة مثلا، أو تُصِرُّ على شراء الدفاتر الغالیة والكمالیات التي لا ضرورة لھا من أدوات
المدرسة، أنْ تفكر أنّ مِنَ التلمیذات مَنْ لا يحصل أبوھا على أكثر مِنْ ثمن الخبز وأجرة
البیت، وأن شراء ملابس الرياضة أو الدفاتر العريضة أو" الأطلس" أو علبة الألوان. نراه
نحن ھینا ولكنه عنده كبیر، والمسائل – كما قلت – نسبیة، ولو كُلِّفَََت المعلمة دَفْع
ألف جنیه لنادت بالويل والثبور، مع أن التاجر الكبیر يقول: وما ألف جنیه؟! سھلة! سھلة
علیه. وصعبة علیھا، كذلك الخمسقروش أو العشر سھلة على المعلمة ولكنھا صعبة
على كثیر من الآباء...
والخلاصة يا سادة: إنَّ مَنْ أحَبّ أن يُسَخِّر الله له مَنْ ھو أقوى منه وأغْنَى فلْیُعِنْ
مَنْ ھو أضعف منه وأفقر، ولیضع كل منا نفسه في موضع الآخر، ولْیُحِب لأخیه ما يحب
لنفسه، إن النعم إنما تُحْفَظ وتدوم وتزداد بالشكر، وإن الشكر لا يكون باللسان وحده،
ولو أمسك الإنسان سبحة وقال ألف مرة" الحمد لله" وھو يَضِنُّ بماله إنْ كان غنیا،
ويبخل بجاھه إنْ كان وجیھا، ويظلم بسلطانه إنْ كان ذا سلطان لا يكون حامدا لله، وإنما
يكون مرائیا أو كذابا. فاحمدوا الله على نِعَمِهِ حمدا فِعْلِیا، وأحْسِنوا كما تحبون أن
يُحْسِن الله إلیكم، واعلموا أنّ ما أدعوكم إلیه الیوم ھو مِنْ أسباب النصر على العدو ومِنْ
جملة الاستعداد له ؛ فھو جھاد بالمال، والجھاد بالمال أخو الجھاد بالنفس.
ورحم الله مَنْ سمع المواعظ فعمل بھا ولم يجعلھا تدخل مِن أذن لتخرج من الأخرى.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق